منهاج
سرعة اتخاذ القرارات والحسم في الأمور مهارة لا غنى عنها لمن أراد الإنجاز الاستثنائي. الفرص تزداد, والمعلومات تزداد, ومعها يزداد التشويش والتشتت أيضا. في كل مراحل العمر نواجه قرارت شبه يومية بزخم لم يواجهه قبلنا أحد من حيث الكمية والسرعة وعدد الخيارات.
قرارات مثل الدراسة, والتخصص, والوظيفة, والزواج, والوقت, والأولاد, والتربية, والمدارس, والادخار, والتعلم … وهلم جرا من قرارات لا تنتهي!
رأيت من عندهم سرعة تذهلني في اتخاذ القرارات. ورأيت البعض الآخر تردد في اتخاذ القرارات يعود عليهم بفقد فرص كبيرة ووقت ثمين من أهم أوقات أعمارهم.
ولما رأيت من نفسي اظطراب وعجز عن مواجهة هذه الكمية من القرارت, وجب عليّ أن أواجه التردد وأبني منظومة تساعدني على اتخاذ القرارت بسرعة تكفيني كلفة التردد. فالتردد أغلى من الخطأ.
وما أصدق من قال: إذا هبتَ أمراً فقع فيه، فإنّ شدّة توقّيه أعظمُ مما تخافُ منه.
وبعد بحث طويل وتأمل عميق, وجدت منبع هذا الداء ووجدت له دواء عسى الله أن ينفع به قارئي هذه السطور.
ومنبع التردد الأساسي هو عدم معرفة الذات. عدم معرفة من تكون. عدم معرفة القيم التي لا مساومة فيها. فعندما تعرف ما هي قيمك, وما هي الحياة التي تريدها, يسهل اتخاذ القرارت كثيرا. فما ناسب اتجاهك في الحياة, كان سهلا ايجابا, وما لم يناسبها كان رفضا سهلا!
قد يقول قائل هناك منابع أخرى مثل عدم اليقين بالنتائج, او الخوف من المجهول, او الخوف من فوات الفرص. نعم ولكن هذه ثلاث هنّ واحدة أصلا. فلا يقين في شيء, والمجهول لا يعلمه إلا الله, والخوف من فوات الفرص مشمول في سابقتيها!
وبنفي ما تبدو كمنابع وليس كذلك, فالتردد منبعه ذاتي وينبع من عدم معرفة قيم الشخص وليس من عدم اليقين بالنتائج. فالكل سيجرب ويفشل احيانا وينجح احيانا. ولكن ما هي قيم وأولوياتك التي تستعد أن تدفع لها أثمان قراراتك.
ووجدت الدواء هو بناء منهاج لاتخاذ القرارت … او منظومة قيم تحكم سير حياتك. فما خالفها فهو قرار سهل, وما وافقها فهي تفضيلات.
فاجتهد في بناء ذاتك, ومنظومتك, وقيمك. وهذه لا تتم إلا بالتأمل, والتفكر, والخوض في خلجات النفس, ومجالسة أهل العزم والحزم.
بناء منظومة أمر يصعب فعله في حياة واحدة. فخذ مما سبق ممن جاءوا قبلك, وحكّم عقلك وقلبك حتى لا تقع في أخطائهم. هي رحلة عمر, لكنها هي البوصلة التي توجه الأخلاق والقرارت. واذا اخترت منهاج فألزم نفسك منهاجك ولا تتبع هواها. فإنك ان خالفت منهاجك ورثت الكآبة, وضعف الشخصية واحتقار الذات (فلا شيء أوضع من أن تخالف ما اتخذته منهاجا).
واما اليقين فعند عالم الغيب وحده
وأما الرزق فعند الله
وأما المجهول فدائما أمامنا
واذا عزمت فتوكل على الله!
فالمنهاج, ثم المنهاج, ثم المنهاج!
والله أعلم!